آثار وأخطار البث المباشر
محمد بن
عبد الله الهبدان
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وآله
وصحبه وسلم، فقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا
الهالك. "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم
مسلمون" [آل عمران 102].
أما بعد :
أخي الكريم : لقد رأيت تباين الناس في الآونة الأخيرة عن البث المباشر فمنهم
من فرح بقدومه وأعد له الفراش والغطاء وأعيذك بالله من أن تكون منهم، وآخرون
سلبيون كأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو من بعيد.
والفرقة الناجية والفئة الصالحة هم الذين أقض هذا (الغول) القادم، و (الشر)
الداهم مضاجعهم، فراحوا يبحثون عن سبل العلاج وطرق الوقاية وأيديهم على قلوبهم
خوفاً على أمتهم، وحماية لأنفسهم وأعراضهم.
لهؤلاء كتبنا لهم هذه الرسالة، حباً وإشفاقاً وبياناً وإخباراً.
ولأولئك وجهنا اعذاراً وإنذاراً ولعلهم يتقون. ولليائسين نقول لهم "ما
أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء" كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم.
أخي الكريم: نحن الآن بأمس الحاجة إلى العودة إلى الله تعالى لا إلى التمادي
في العصيان لما نرى من المصائب التي تحل قريباً منا .. وما هي من الظالمين
ببعيد .. وما تلك المصيبة التي روعتنا وزلزلت قلوبنا ببعيد !!
يا أخي: أكتب لك .. إعذاراً وإنذاراً وتذكيراً وتحذيراً لعلني وإياك .. نسمع
.. فنعقل .. فنتعظ .. فنتوب ونرجع فنمتثل .. ونؤجر "وقالوا لو كنا نسمع
أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" [الملك10].
أخي الحبيب : هل عرفت الآثار المؤلمة والعواقب الوخيمة التي تترتب على اقتناء
هذا الجهاز؟ إن كنت لا تعرف فتلك مصيبة، وإن كنت تعرف فالمصيبة أعظم، وعلى
كل فقد كتبت لك هذه الآثار المفجعة إشفاقاً عليك ورحمة بك من نفسك فالنفس داعية
إلى العصيان أسأل المولى أن يحفظني وإياك من جميع الذنوب والمعاصي وأن يغفر
لنا زلاتنا وأن يتوفنا مسلمين إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
آثار البث المباشر
ü أي آثار أتحدث عنها وماذا آخذ وماذا أدع إن الحديث عن آثار البث المباشر
لا ينفصل عن الحديث عن أثر الإعلام الخارجي، وماذا جنى على أمتنا خلال العقود
التي مضت.
والحديث عن البث المباشر هو الحديث عن الأفلام وما خلفته من ركام، ولا تزال
تعبث في أجساد وعقول أمتنا شباباً وشيباً.
فإذا كانت هذه الأفلام تحمل السموم للأمة فما بالك بالبث المباشر!! وأقول كما
قال النبي صلى الله عليه وسلم :"ويلٌ للعرب من شر قد اقترب" وعجباً
لمن يبني ناطحات السحاب على أنقاض صروح الفضيلة.
والحقيقة أن آثار البث المباشر فوق الحد، ولكن سنذكر أبرز الآثار بناء على
الحقائق والأرقام فنحن لا نرجم بالغيب ولا ننطلق من عاطفة خالية من الحقائق
فإليك هذه الآثار.
أولاً الأثر العقدي: من أخطر ما يجلبه البث المباشر زعزعة عقيدة الإسلام في
نفوس كثير من الناس، فاليهود والنصارى قد جعلوا من أهدافهم اخراج المسلمين
من دينهم، وزعزعة العقيدة في نفوسهم، وقد تحقق شيء من ذلك عبر وسائل كثيرة
من أبرزها التلفاز، ولننظر في هذا التقرير الذي صدر عن اليونسكو والحق ما شهد
به الأعداء: "إن إدخال وسائل إعلام جديدة وخاصة التلفزيون في المجتمعات
التقليدية أدى إلى زعزعة عادات ترجع إلى مئات السنين، وممارسات حضارية كرسها
الزمن.
ويمكن تلخيص الآثار العقدية بما يلي:
· زعزعة عقيدة المسلمين والتشكيك فيها حتى يكون المسلم في حيرة واضطراب.
· إضعاف عقيدة الولاء والبراء والحب والبغض في الله .
إن استمرار مشاهدة الحياة الغربية وإبراز زعماء الشرق والغرب داخل بيوتنا والإستمرار
في عرض التمثيليات والمسلسلات سيخفف ويضعف من البغض لأعداء الله، ويكسر الحاجز
الشعوري .. فمع كثرة الامساس يقل الإحساس، والله جل وعلا يقول: "لا تجد
قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله"[المجادلة22].
ومن أمثلة ذلك:
تعلق الناس ببعض مشاهير الكفار كلاعبي الكرة وخذ مثلاً "مارادونا"
وبعض المغنيين "كمايكل جاكسون" وعارضات الأزياء والممثلين .. وكل
ذلك على حساب عقيدة المسلم وتعلقه بدينه.
· تقليد النصارى في عقيدتهم: وذلك باكتساب كثير من عاداتهم المحرمة التي تقدم
في عقيدة المسلم، كالإنحناء عند التحية للجمهور في المسرح، وتقليدهم في اللباس
وطريقة الأكل وحتى في قص الشعر، إلى غير ذلك من صنوف التشبه المحرمة "ومن
تشبه بقوم فهو منهم" و "من أحب قوماً حشر معهم".
· ومن أخطر الآثار العقدية الدعوة إلى النصرانية عبر البث المباشر: واقرأ هذه
الأخبار لتعرف الحقيقة:
- يستعد الفاتيكان لبناء محطة تلفزيونية كبيرة للبث في كافة أنحاء العالم للتبشير
بتعاليم الإنجيل بواسطة ثلاثة أقمار صناعية تسمى بمشروع نومين (2000) مع العلم
أن القمر الواحد يغطي ثلث مساحة الكرة الأرضية.
- عقد في هولندا اجتماع عالمي للتنصير حضره (8194) منصر، من أكثر من مائة دولة،
وكلف (21) مليون دولار، برئاسة المنصر (جراهام بيلي) وقد تحمل نفقات هذا المؤتمر
منظمة سامر تيان برس وهدف المؤتمر دراسة كيفية الإفادة من البث المباشر في
التنصير.
هذه بعض آثار وأخطار البث المباشر على عقيدة المسلمين وقد لا تبدو تلك الآثار
سريعة، ولكن مع الزومن والتكرار يحدث الأثر واذكرك يا أخي بقول الله عز وجل:"ولن
ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"[البقرة120].
ثانياً: الأثر الثقافي والعلمي: ذكر د. حمود البدر أن الأبحاث والدراسات أثبتت
أن بعض التلاميذ في البلاد العربية عندما يتخرج من الثانوية العامة يكون قد
أمضى أمام التلفزيون (000،15) ساعة بينما لم يقضي في حجرات الدراسة أكثر من
(008،10) ساعة على أقصى تقدير.
هذا مع أن هؤلاء التلاميذ لا يشاهدون إلا قناة أو قناتين فكيف إذا أتيحت لهم
مشاهدة عدة قنوات دون حسيب أو رقيب!! لهذا فإن البث المباشر يشكل خطورة على
ثقافة الأجيال القادمة متمثلاً بما يلي:
1) إضعاف مستوى التعليم لدى أفراد الأمة، وقد أجريت دراسة عن أثر التلفزيون
على تحصيل الطالب فأفاد 64% ممن شملتهم الدراة أنه يشغل عن التحصيل والاستذكار.
2) تلقين مفاهيم جديدة.
3) شيوع الخمول والكسل وعدم الجدية، وبخاصة أن أشد البرامج إغراء ليلتي السبت
والأحد وهما من أيام الدراسة في البلاد العربية، أضف إلى ذلك السهر الذي سيؤثر
على بعض الطلاب، لأن وقت عرض البرامج المغرية في أول الليل هناك، يكون الوقت
عندنا_ متأخراً.
- شكت وزيرة الثقافة اليونانية (ملينا ميركوري) من أن بلدها قد دهمته الثقافة
الأمريكية.
- وشكى رئيس وزراء كندا (بيار ترونو) من تأثير الثقافة الأمريكية على الشعب
الكندي.
اذا كانت هذه حال القوم وشكواهم مع أن الدين واحد فكيف بنا نحن المسلمين!!
وماذا سيكون حالنا من الثقافة الوافدة؟
ثالثاً: الأثر الأمني:
اذا كان للأفلام تأثيرها السلبي على الأمن في بلد من البلدان فكيف تكون الحال
مع أفلام الغرب المنحل والشرق الملحد، عبر البث التلفزيوني المباشر، وإذا كانت
الدول تعتبر أن سقوط الإذاعة يعني سقوط الدولة ولذلك ما يحرص عليه الذين يقومون
بالانقلابات السيطرة على الإذاعة والتلفزيون ويظهر الأثر الأمني في عدة صور
منها:
1) الإضطرابات: فقد ذكر تقرير صادر من اليونسكو ما يلي: إن إدخال وسائل إعلام
جديدة وخاصة التلفزيون في المجتمعات التقليدية، أدى إلى زعزعة عادات ترجع إلى
مئات السنين، وممارسات حضارية وغالباً ما يصاحب فوائد الإتصالات الحديثة سلبية
يمكن أن تشيع الإضطرابات بدرجة كبيرة في النظم القائمة.
2) الجريمة: قال الطبيب النفسي (استيفن بانا) الأستاذ بجامعة كولومبيا: إذا
كان السجن هو جامعة الجريمة فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية للإنحراف.
وذكر د. حمود البدر أنه من خلال إحدى الدراسات التي أجيت على (500) فيلم طويل
تبين أن موضوع الحب والجريمة والجنس يشكل 72% منها، وتبين من دراسة أخرى حول
الجريمة والعنف في مائة فيلم وجود (169) مشهد جريمة أو محاولة قتل.
وقد قام د. تشار بدراسة مجموعة من الأفلام التي تعرض على الأطفال عالمياً فوجد
أن 4،27% منها تتناول الجريمة"
ألا تكفي هذه الحقائق لبيان الخطورة الأمنية لهذا الجهاز المدمر !!
رابعاً الأثر الأخلاقي:
من أخطر ما يخشى أن يؤثر فيها البث المباشر أخلاق الأمة وسلوكها:
وإنما الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ومن أبرز ما خلفته الأفلام من شرور خلال السنوات الماضية ما أحدثته من خلل
كبير في أخلاق الرجال وأعراض النساء. ويتخذ هذا الخلل عدة صور من أبرزها:
1_شيوع الرذيلة وسهولة ارتكابها حتى تصبح أمراً عادياً كما هو حاصل الآن في
بعض المجتمعات.
2_ تفجير الغرائز والبحث عن سبل غير مشروعة لتصريفها وذلك لما يرد في الأفلام
من عري فاضح مع التركيز على اختيار أجمل النساء وعرض مفاتنهن.
3_ تعويد الناس على وسائل محرمة هي بريد للفتنة وسبيل إليها كالخلوة والاختلاط
والمغازلة.
4_ الدعاية لأمور محرمة تؤدي إلى الإنحراف كدعايات شرب الخمر والمسكرات بجميع
أنواعها.
5_ بث الأفلام الدعائية التي ترغب المشاهد في السفر للخارج مع ما يحدث هناك
من أضرار.
6_ بعض الأفلام التي تدعو إلى المخدرات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ومن الأدلة
على ذلك فيلم الباطنية المشهور ولعلك أخي القارئ تقرأ هذه الأرقام حتى تتضح
لك الصورة جلية وواضحة:
q يقول د. بلومر: "إن الأفلام التجارية التي تنتشر في العالم تثير الرغبة
الجنسية في معظم موضوعاتها، كما أن المراهقات من الفتيات يتعلمن الآداب الجنسية
الضارة من الأفلام، وقد ثبت للباحثين أن فنون التقبيل والحب والمغازلة والإثارة
الجنسية والتدخين يتعلمها الشباب من خلال السينما والتلفزيون.
q وتبين من خلال دراسة أجرتها هيئات أوروربية متخصصة أن متوسط مدة الإرسال
التجاري اليومي 9 ساعات تتوزع كما يلي: من 75% إلى 80% مواد وبرامج تسلية،
ومن 50% إلى 10% برامج ثقافية ووثائقية، 5% تخصص للمعلومات، من 2% إلى 10%
برامج موجهه للشباب والرياضة.
ومن أجل توضيح خطر برامج التسلية والترفيه لنقرأ ما قاله الأستاذ عبد الرحمن
العبدان: "برامج الترفيه والتسلية ومعظمها إن لم يكن جميعها، لن تكون
ملتزمة، وهذه سوف تنقل للشعوب المشاهد كثيراً من العادات غير الحسنة التي تتنافى
مع القيم الإسلامية، وخاصة وأن هذه البرامج قد تشد الشباب والشابات بحيويتها
وعصرية إعدادها ووجود عرضها وتدفعهم للإعجاب بها دون إدراك لخطورتها وبالتالي
التأثر بها وهذا مكمن الخطورة. ويواصل قائلاً : ولست بحاجة لشرح الآثار السلبية
على ذلك وما فيها من الهدم وتدمير السلوك".
ومما تجدر الإشارة إليه ( بل الوقوف عنده ) مما يشكل خطراً على الأخلاق وبخاصة
على النساء والأطفال، موضوع الدعايات التلفزيونية مع العلم أن هناك قنوات غربية
متخصصة في الدعاية التجارية فقط ولندع الأرقام تتحدث : قام د. سمير حسين بإعداد
دراسة حول "برامج وإعلانات التلفزيون كما يراها المشاهد والمعلنون"
توصل فيها إلى ما يلي: 98،6% من الأطفال يشاهدون الإعلانات بصفة منتظمة، 96%
من الأطفال يتعرفون على المشروبات المعلن عنها بسهولة.
96% قالوا إن هناك إعلانات يحبونها ولذلك تجدهم يحفظون نص الدعاية ويقلدون
المعلق.
ويقول د. محسن الشيخ: من أخطر البرامج المقدمة من خلال الشاشة الصغيرة هي الإعلانات
التجارية، لأنها قصيرة ومسلية وتحمل رسالتها إلى الأوتار العقلية فتوقظها.
ومما يزيد الأمر حزناً أنه تبين من دراسة قامت بها اليونسيكو كما ذكر الأستاذ
مروان كجك في كتابه عن التلفزيون ص 196 "تبين أن الأطفال في البلاد العربية
يقضون ما بين 12 ساعة إلى 24 ساعة أسبوعياً أمام التلفزيون وسترتفع مع البث
المباشر".
خامساً : الأثر الإجتماعي:
إن الأفلام والمسرحيات تأثيرها الفعال في تغير كثير من السلوكيات الحميدة وقد
اعترفت اليونيسكو بهذه الحقيقة في دراستها التي سبقت الإشارة إليها حيث جاء
فيها "إن إدخال وسائل إعلام جديدة وخاصة التلفزيون في المجتمعات التقليدية
أدى إلى زعزعة عادات ترجع إلى مئات السنين وممارسات حضارية كرسها الزمن".
ولاشك أن الإنفتاح على القنوات العالمية سيزيد من هذا التأثير السلبي ويتمثل
الأثر الإجتماعي الذي يتوقع أن يحدثه البث المباشر بعدة صور من أهمها:
1) التأخر في الزواج وتفشي الطلاق ومحاربة تعدد الزوجات، ولقاءات الفتى والفتاة
بعد الخطبة وقبل العقد برضى الأهل.
2) انصراف المرأة للأزياء العالمية وآخر صيحات الموضة وتقليد المرأة الغربية
في كثير من أسلوب حياتها، كالخروج من المنزل ومحادثة الرجال.
3) سيطرة المرأة على الرجل وضعف القوامة بدعوى الحرية وتساوي الحقوق.
4) دخول كثير من العادات الغربية إلى بيوت المسلمين والإعجاب بالنمط الغربي
للحياة.
5) ضعف القيام بحقوق الوالدين وقطع الأرحام وتفكيك الأسرة وإهمال حقوق الجيران.
6) إبراز أبطال لا حقيقة لهم على حساب أبطال الإسلام وسعى الفرد لتقليد هؤلاء.
ومثال ذلك إبراز اللاعبين والممثلين والفنانين على أنهم أبطال، وحتى أصبحوا
المثل الأعلى لكثير من الشباب والفتيات.
وهناك أضرار اقتصادية وسياسية وصحية وأمر لا يجوز أن نغفل عنه لعاقبته المخيفة
وهو: إرتكاب ما حرم الله مما يكون سبباً لغضب الله ونقمته علينا ويتمثل ذلك
في الآثام التالية:
1) النظر إلى ما حرم الله وبخاصة صور النساء الفاتنات المفتونات.
2) سماع الغناء والموسيقى ونحوها.
3) تربية الأهل والأولاد على ما حرم الله.
4) عدم إنكار المنكر مع القدرة على ذلك.
5) انفاق المال في المعاصي، وذلك كفر للنعمة وسبب لحلول النقمة.
6) اهدار الوقت في غير طاعة الله بل في معاصيه.
والحقيقة أن آثاره المفجعة يصعب حصرها وعدها ولكن قد يقول قائل: لقد فصلت في
الآثار السلبية وبيان خطورة البث المباشر، أليس له منافع؟ ولماذا لم (تذكرها)!
فأقول:
منافع البث المباشر لا تعد شيئاً في مقابل السلبيات والأخطار، ومن المعروف
أنه ليس هناك شر محض ولكن بعد التأمل في تلك المنافع، التي ضخمت أكثر من حقيقتها
وجدتها ينطبق عليها قوله تعالى: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ
كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون" [البقرة
219]..
وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام
رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" [ المائدة 90] ..
ومن قواعد الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وكذلك من القواعد قاعدة
سد الذرائع، وقد نهى الله عن سب الأصنام إذا كان سبها سيؤدي إلى سب الله جل
وعلا : "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم"
[ الأنعام 108] ..
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه
السلام خشية حدوث فتنة، لأن قريش حديثة عهد بالإسلام.
ومنهج المؤمن الذي نهجه الرسول صلى عليه وسلم هو ما جاء في حديث النعمان بن
بشير رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحلال بين
وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات
فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام".
فاتقي الله يا عبد الله وتذكر قول الشاعر :
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
وقول لآخر :
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
فلا تحسبن الله يغفل ساعةً ولا أن ما تخفي عليه يغيبُ
فهلا تذكرت يا أخي العزيز يوماً قال الله فيه : "يوم لا ينفع مالٌ ولا
بنون إلى من أتى الله بقلبٍ سليم" [ الشعراء 88 .. 89 ] ..
وتذكرت يوم العرض على الجبار ليس بينك وبينه ترجمان، وبدأ يقررك بذنوبك فهل
أعددت للسؤال جواباً! وللجواب صواباً.
وتذكر يوماً تتطاير فيه الصحف منا من يأخذها بيمينه ومنا من يأخذها بشماله
فممن تحب أن تكون؟
وتذكر: يوماً تبيض وجوه وتسود وجوه .. :"فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم
بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة
الله هم فيها خالدون" .. [ آل عمران 106 .. 107 ] ..
ولا تنسى يا أخي الكريم أننا سوف نسأل عن أربع :
1) عن أعمارنا فيما أفنيناها.
2) وعن شبابنا فيما أبليناه.
3) وعن علمنا ماذا عملنا به.
4) وعن أموالنا أين اكتسبناها وفيما أنفقناها.
أخي إني أناشد عقلك وقلبك: إن أمتنا المنكوبة يكفيها ما أصابها من جراح وآلام
فهل من مداواتها وإنقاذها من الهلاك والدمار أن نحضر إلى بيوتنا هذا الجهاز
المدمر ؟
هل ستعود هذه الأمة يا أخي إلى مجدها وكرامتها بإحضارنا هذا الجهاز الذي عرفت
آثاره وأخطاره.
إنك تعلم يا أخي في قرارة نفسك أنه لن يصلح حال أمتنا إلا بما صلح به أولها،
فهل صلح أولها بتخليهم عن دينهم، وانغماسهم في شهواتهم وملذاتهم أم جعلوا نهارهم
صياماً وتدرباً على الرماية وسعياً في الرزق وجعلوا ليلهم دعاءً وتهجداً واستغفاراً.
فيا أخي إن باب التوبة مفتوحاً ورحمة الله واسعة، فهل تسير في ركاب التائبين
إلى ربهم وهل سوف تجد هذه الكلمات مكاناً في قلبك ؟
اسأل الله تعالى ذلك وأن يشرح صدرك للإيمان وينور بصيرتك ويلهمك رشدك وأن يريك
الحق حقاً ويرزقك اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقك اجتنابه.
وصلى الله على نبينا محمد صلى عليه وسلم.