لم يعد اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد اتفاق أمني أُعلن في بداية أغسطس، إذ بدأ خلال الأيام الأخيرة يتحول إلى أحد أبرز التطورات التي تعيد رسم شكل العلاقات الأمنية في العالم الإسلامي.

وجاء أحدث تطور في الملف مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترحيبه بالاتفاق، ووصفه بأنه خطوة كبيرة وجريئة ومهمة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول الدور الذي يمكن أن يلعبه التحالف الجديد في أمن المنطقة وإمكانية انضمام دول أخرى إليه.

ثلاث قوى إسلامية في إطار دفاعي واحد

وقعت السعودية وتركيا وباكستان الاتفاق في مكة يوم 7 أغسطس، وينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا عليها جميعًا.

ويجمع الاتفاق بين السعودية صاحبة الثقل الاقتصادي والنفطي في الخليج، وتركيا التي تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش داخل حلف شمال الأطلسي، وباكستان التي تمتلك السلاح النووي.

ولا يقتصر التعاون المعلن على الالتزام بالدفاع المشترك، بل يتضمن تطوير آليات للتنسيق السياسي والعسكري وإجراء تدريبات مشتركة في المجالات البرية والبحرية والجوية، إضافة إلى مجالات حديثة مثل الأمن السيبراني والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية.

لماذا أصبح الاتفاق أكثر أهمية الآن؟

التوقيت الذي ظهر فيه الاتفاق ليس عاديًا.

فالمنطقة شهدت خلال الأشهر الماضية تصاعدًا في المخاطر الأمنية، خصوصًا بعد الهجمات التي طالت دولًا خليجية وأثارت مخاوف بشأن حماية منشآت الطاقة وطرق التجارة.

ويرى محللون أن الاتفاق يعكس رغبة الدول الثلاث في بناء قدرات أمنية إقليمية أكبر، بدل الاعتماد الكامل على ترتيبات الحماية الخارجية.

وتشير تحليلات متخصصة إلى أن السعودية تعمل منذ فترة على تنويع شراكاتها الدفاعية، فيما يمنح التعاون مع تركيا وباكستان الرياض خيارات أوسع في مجالات التدريب والتصنيع العسكري والقدرات الدفاعية.

هل يتحول الاتفاق إلى تحالف إسلامي أوسع؟

السؤال الأكثر إثارة الآن يتعلق بالدول التي يمكن أن تنضم لاحقًا.

تركيا أوضحت أن الاتفاق ليس مغلقًا على الدول الثلاث، وأن الباب يمكن أن يكون مفتوحًا أمام دول أخرى ترغب في المشاركة في ترتيبات تهدف إلى دعم الاستقرار الإقليمي. كما برز اسم مصر بصورة خاصة في النقاشات المتعلقة بالتوسع المحتمل.

لكن القاهرة لم تنضم إلى الاتفاق عند توقيعه، رغم مشاركتها في اجتماعات سابقة مرتبطة بالترتيبات الأمنية الإقليمية.

ويرى مركز تشاتام هاوس أن مصر قد تنضم مستقبلًا، لكنه أشار إلى أن القاهرة تتعامل مع الملف بحذر في الوقت الحالي، في محاولة لتجنب الانحياز إلى طرف محدد داخل التوازنات الإقليمية الجديدة.

موقف إيران يكشف حساسية التطور

ورغم أن الدول الثلاث تؤكد أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، فإن توقيعه في ظل التوتر الإقليمي جعله موضع اهتمام خاص في طهران.

وفي المقابل، أعلنت إيران أنها لا ترى سببًا للقلق من الاتفاق، في محاولة لتقليل احتمالات تحوله إلى مواجهة مباشرة أو محور عسكري موجه ضدها.

وهذا الموقف المتحفظ من طهران لا يلغي أن الاتفاق جاء في بيئة أمنية شديدة الحساسية، وهو ما يجعل كل خطوة لاحقة للدول الثلاث موضع متابعة إقليمية.

واشنطن تراقب التحول الجديد

ترحيب ترامب بالاتفاق يضيف بُعدًا آخر للمشهد.

فالولايات المتحدة ما زالت شريكًا أمنيًا مهمًا للدول الثلاث، ولذلك فإن ظهور ترتيبات دفاعية إقليمية جديدة لا يعني بالضرورة انتهاء التعاون مع واشنطن.

لكن الاتفاق في الوقت نفسه يعكس توجهًا متزايدًا نحو امتلاك الدول الإسلامية الكبرى قدرة أكبر على تنسيق أمنها بصورة مباشرة، وهو ما قد يمنحها هامشًا أوسع في التعامل مع الأزمات المستقبلية.

وتشير تحليلات دولية إلى أن الاتفاق يمكن أن يكون جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لخريطة الأمن في الشرق الأوسط، خصوصًا مع تزايد الشكوك حول مدى قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على التعامل مع التهديدات الجديدة.

اختبار حقيقي أمام الاتفاق

ورغم أهمية الإعلان السياسي، فإن قوة اتفاق مكة لن تُقاس بالبيانات وحدها.

فالاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرة الدول الثلاث على تحويل الاتفاق إلى تعاون عسكري فعلي، وتنسيق استخباراتي، وتكامل في الصناعات الدفاعية، وإجراء تدريبات مشتركة، ووضع آليات واضحة للتعامل مع أي تهديد.

كما أن اتساع الاتفاق ليشمل دولًا أخرى سيحدد ما إذا كان سيبقى إطارًا دفاعيًا ثلاثيًا أم سيتحول تدريجيًا إلى منظومة أمنية إقليمية أوسع.

وفي كل الأحوال، فإن اتفاق مكة فتح بالفعل بابًا جديدًا في النقاش حول مستقبل الأمن في العالم الإسلامي، وقد تكون التطورات المقبلة أكثر أهمية من الاتفاق نفسه، خصوصًا إذا بدأت دول أخرى في تحديد موقفها من الانضمام أو التعاون مع هذا الترتيب الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *