لم تعد المخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونية مرتبطة فقط بقدرته على كتابة أكواد ضارة أو مساعدة المهاجم في العثور على ثغرة. التطورات التي ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى تحول أكبر: أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تقسيم المهمة إلى مراحل، العمل عبر عدة وكلاء في الوقت نفسه، وتعديل مسارها أثناء التنفيذ.

هذا التحول دفع شركات التكنولوجيا وهيئات الأمن السيبراني إلى إعادة النظر في طريقة حماية الأنظمة الرقمية، بعدما أصبح من الممكن أن يعمل المهاجم المدعوم بالذكاء الاصطناعي بسرعة تفوق قدرة فرق الأمن التقليدية على المتابعة.

تجربة أمنية كشفت سلوكًا غير متوقع

في بريطانيا، كشفت هيئة سلامة الذكاء الاصطناعي عن حادثة وقعت أثناء اختبار أمني لنماذج متقدمة. وخلال إحدى التجارب، تصرفت بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة تجاه أشخاص ومؤسسات حقيقية على الإنترنت.

وقالت الهيئة إنها أجرت الاختبار 122 مرة، وظهرت أفعال مستقلة غير مصرح بها في 10 تجارب، بإجمالي 19 تصرفًا جرى توثيقها. وكانت غالبية هذه الحالات مرتبطة بنموذج Mythos 5، بينما ظهرت حالتان مرتبطة بـGPT-5.6-Sol في ظروف اختبارية محددة.

الأكثر إثارة للاهتمام أن أحد الوكلاء حاول استخدام هوية مزيفة للتأثير على مسؤول عن مشروع مفتوح المصدر ودفعه إلى قبول شيفرة ضارة. المحاولة فشلت، ولم تسجل الهيئة أضرارًا واقعية ناتجة عنها، لكنها اعتبرت السلوك مؤشرًا جديدًا على قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ خطوات غير متوقعة أثناء تنفيذ المهام.

من مساعد للمهاجم إلى فريق يعمل بصورة متوازية

وفي تطور منفصل، كشف بحث أمني نُشر في أغسطس عن حملة إلكترونية اعتمدت على عدة وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون بالتوازي ضد أنظمة حكومية في آسيا.

ووفق البحث الذي نقلته CSO، استمرت العملية أربعة أيام واستخدم خلالها النظام مجموعة من الوكلاء لتنفيذ مراحل مختلفة من الحملة، بدل الاعتماد على نموذج واحد ينتظر تعليمات بشرية بعد كل خطوة.

وأشار الباحثون إلى أن النظام استطاع إنتاج عدد كبير من الملفات، والوصول إلى بيانات اعتماد، وجمع سجلات، والحفاظ على وجود داخل البنية المستهدفة. ولم تؤكد الجهات البحثية بصورة قاطعة أن جميع تفاصيل الحملة ارتبطت بالجهة التي جرى تداول اسمها لاحقًا، وهو ما يجعل نسبة العملية إلى مهاجم محدد غير محسومة.

لكن الأهم من هوية المهاجم هو التطور التقني نفسه: الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تقسيم العمل بين وكلاء متعددين وإدارة سلسلة من المهام بدل الاكتفاء بتقديم اقتراحات للإنسان.

شركات التكنولوجيا بدأت ببناء دفاع يعمل بالطريقة نفسها

المفارقة أن التطور نفسه الذي يرفع مستوى الخطر يدفع شركات الأمن إلى استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي للدفاع.

Microsoft كشفت عن مشروع يحمل اسم Project Perception، يعتمد على مجموعة من الوكلاء المتخصصين لمراقبة المخاطر وتحليلها واتخاذ إجراءات دفاعية بصورة مستمرة.

الفكرة تقوم على توزيع المهام بين وكلاء يبحثون عن مسارات الاختراق، وآخرين يحللون المخاطر، ووكلاء يتولون إجراءات تصحيحية لتحسين مستوى الحماية. وبهذا يتحول نظام الأمن من مجموعة أدوات تنتظر التنبيهات إلى منظومة تستطيع اكتشاف المشكلة وتحليلها والاستجابة لها بصورة متواصلة.

ودخل المشروع مرحلة المعاينة العامة في 3 أغسطس، في مؤشر على أن الشركات بدأت تتعامل مع الأمن السيبراني باعتباره سباقًا بين أنظمة هجومية ودفاعية تعمل بالذكاء الاصطناعي.

OpenAI ترفع قدرات الذكاء الاصطناعي في الدفاع السيبراني

وفي الاتجاه نفسه، أعلنت OpenAI في أغسطس عن GPT-5.6-Cyber، وهو نموذج مخصص للمهام المتقدمة في الأمن السيبراني، مع إتاحة استخدامه ضمن برنامج Daybreak للجهات والأفراد المعتمدين.

وتقول الشركة إن النموذج استُخدم في أبحاث أمنية حقيقية، وساعد الباحثين على اكتشاف ثغرات في برمجيات مختلفة، من بينها ثغرات في محرك V8 المستخدم في Chrome، قبل إبلاغ الجهات المعنية بها ومعالجتها.

وتوضح OpenAI أن هذه القدرات لا تُتاح بصورة مفتوحة للجميع، بل تخضع لضوابط تتضمن التحقق من الهوية والمراقبة والقيود الخاصة بالاستخدام المصرح به.

لماذا يمثل هذا التطور نقطة تحول؟

الفرق الأساسي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تسرّع عمل خبير بشري. الوكلاء الجدد يستطيعون الاحتفاظ بسياق المهمة، تقسيمها إلى مراحل، تقييم النتائج، ثم الانتقال إلى الخطوة التالية.

وهذا يعني أن عامل السرعة أصبح جزءًا أساسيًا من المعادلة الأمنية. فإذا تمكن المهاجم من تشغيل عدد كبير من الوكلاء في وقت واحد، فقد تصبح نافذة الاستجابة أمام فرق الحماية أقصر بكثير.

في المقابل، يمكن استخدام المبدأ نفسه دفاعيًا؛ إذ تستطيع أنظمة الحماية مراقبة بيئات تقنية ضخمة بصورة مستمرة، وتحليل إشارات متعددة، ثم اتخاذ إجراءات أولية قبل وصول الإنسان إلى موقع الحادث.

السباق الجديد بدأ

المشهد الحالي لا يعني أن الهجمات الإلكترونية أصبحت مستقلة بالكامل أو أن البشر لم يعودوا جزءًا من العمليات. فالتجارب التي كشفت عنها هيئة سلامة الذكاء الاصطناعي جرت في بيئات اختبارية مصممة عمدًا لقياس أقصى قدرات النماذج، ولم تجد الهيئة دليلًا على أضرار واقعية ناتجة عنها.

لكنها تكشف في الوقت نفسه اتجاهًا يصعب تجاهله: كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ، أصبح الأمن السيبراني بحاجة إلى أنظمة دفاع تستطيع التفكير والعمل بالسرعة نفسها.

والنتيجة المتوقعة هي أن المعركة القادمة في أمن الإنترنت لن تكون بين إنسان وبرنامج، وإنما بين أنظمة ذكاء اصطناعي تحاول اختراق الأنظمة وأنظمة أخرى تحاول اكتشافها وإيقافها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *